الحرية والعدالة

بقلم د. حسن حنفى ٣/ ١١/ ٢٠١١

الحرية والعدالة مطلبان رئيسيان فى النهضة العربية المعاصرة منذ الطهطاوى وحتى الآن، وهدفان رئيسيان لكثير من الحركات الاجتماعية والسياسية، وتحولا إلى قيمتين مطلقتين، لا يستطيع أحد النيل منهما أو الشك فيهما. من الحرية خرجت معظم الحركات الليبرالية قبل ثورة يوليو ١٩٥٢، التى ارتبطت بالحركة الوطنية المصرية منذ ثورة ١٩١٩، ومن العدالة خرجت معظم الحركات الاشتراكية التى سادت مصر أيضا فى الخمسينيات والستينيات بصرف النظر عن لون الاشتراكية، علمية أو أخلاقية أو إنسانية أو عربية، وأحيانا يستبدل بلفظ عدالة لفظ «تنمية»، فلا توجد عدالة بلا تنمية، والعدالة فى الغنى أفضل من العدالة فى الفقر. لا عدالة قبل زيادة الدخل القومى، ولا زيادة فى الدخل القومى دون تنمية.

وقد تحققت هذه التجربة فى تركيا بعد سيطرة الجيش المدعم للعلمانية على النمط العربى، منذ الثورة الكمالية فى ١٩٢٣، ثم أحدثت رد فعل عند الإسلاميين بعد نصف قرن، فظهر حزب رفاه بقيادة أربكان، الذى أعلن صراحة عن توجهه الإسلامى، فحرك مشاعر الأتراك والعرب والمسلمين من حوله، ثم جاء الطريق الثالث فى صمت بعد تدخل الجيش فى الحياة السياسية باسم الدفاع عن العلمانية والمغالاة فى الخطاب الإسلامى لحزب «رفاه» ليتحدث عن القيم العلمانية كالحرية والعدالة، التى تتفق لا شعوريا مع مقاصد الشريعة،

كما حددها الشاطبى، وجعل معركة الحجاب والسفور جزءاً من الحريات الشخصية وليست مع الشريعة أو ضدها، ونال الحزب التأييد الشعبى بالممارسة، تأييد قضية فلسطين والعمل على فك الحصار الإسرائيلى عن غزة، وتأييد الثورة الشعبية فى سوريا، والسعى لعمل فضاء إقليمى جديد، عربى أفريقى آسيوى، بدلا من الفضاء الإسرائيلى الأوروبى الأمريكى، فألهب مشاعر المصريين والعرب حتى إن التجربة التركية أصبحت أحد النماذج المقدمة للثورة العربية، وسارت المغرب فى نفس الطريق، حزب الحرية والتنمية من أجل التخفف من ثقل الإسلاميين المتشددين، ولو أنه ما زال فكريا محاصرا بين التشدد الإسلامى والليبرالية المغربية.

وهو مطروح أخيرا على مصر، إلا أن الاستقطاب الإسلامى العلمانى ما زال قويا، ومنطق الفرقة الناجية ما زال سائدا، وما زال الطريق الثالث ضعيفا، وإذا وجد يستبعد من الإسلاميين ومن العلمانيين على حد سواء، لأن هذا الطريق الثالث خرج من الإسلاميين، لأنه إسلام ليبرالى أو اشتراكى أو قومى أو وطنى. والإسلام هو الإسلام لا يقبل تطعيما من خارجه، وإذا خرج من العلمانيين فإنها علمانية متخفية كى تتأقلم مع الثقافة الشعبية السائدة، انتهازية وقتية، تركب موجة الإسلام ما دام ناجحا فى تجنيد الجماهير والحصول على الأغلبية فى أى انتخابات دستورية أو برلمانية أو رئاسية.

الحرية مطلب الفرد فى العزة والكرامة واحترام الذات، والرغبة فى التعبير الحر فى صحافة حرة مستقلة عن الدولة، وتعددية سياسية واختيار التيار الذى يريد. له حق الاعتراض والمواجهة، والعدالة مطلب الجماعة فى المساواة بين المواطنين فى التمتع بخيرات هذا البلد، تضع حداً أدنى للأجور يكفى للحد الأدنى من مستوى المعيشة. كما تضع حدا أعلى للأجور بما لا يتجاوز واحداً لعشرة أمثال، كما كان الأمر فى طموح الثورة الأولى يوليو ١٩٥٢ أو واحداً لعشرين أو الثلاثين كحد أقصى كما هو الطلب الآن فى ثورة يناير، وليس بالملايين كما هو حادث الآن. فالعاطلون والفقراء وسكان المقابر والعشوائيات ومحدودو الدخل ومن هم تحت خط الفقر يتجاوز عددهم نصف سكان البلاد لهم الحق فى ثرواته مثل الأغنياء الذين تبلغ ثرواتهم المليارات، ومستوى الدخل القومى للفرد لا يتجاوز مئات الجنيهات.

فإذا قامت الثورة العربية فى انطلاقتها الأولى من أجل الحرية فى تونس، وكرامة المواطن، وفى مصر وفى ليبيا وفى اليمن وفى سوريا لأجل حرية شعب، فإن الثورة فى انطلاقتها الثانية تقع الآن بعد ما يقرب من عام من أجل العدالة الاجتماعية، والتوزيع العادل للناتج القومى. فالإضرابات الفئوية يومية، العمال وصغار الموظفين وأبناء الطبقة الدنيا يهددون بالجلوس فى الشوارع والاعتصام والامتناع عن العمل، فالدخل لا يكاد يكفى الخبز لأسرة كبيرة.

الثورة الأولى قامت على العاطفة والرومانسية، وعلمت الشعب كيف يثق بنفسه وبقدرته على إزاحة رئيس النظام ورموزه، بالرغم من الشرطة ورجال الأمن والقناصة، ولما تباطأت المرحلة الانتقالية وطالت ولم يشعر المواطن العادى فى حياته اليومية بتغير كبير فى مستوى معيشته ولم يسمع أو يقرأ إلا مناقضات نظرية، الدستور أولاً أم الانتخابات، البرلمان أولا أم الرئيس، لجنة تعديل الدستور أولا أم البرلمان؟ بدأ يثور ثورته الثانية بعد أن نجح فى ثورته الأولى، دفاعا عن قوته اليومى، وهو يسمع عن المليارات المهربة إلى الخارج، والقصور فى لسان الوزراء، والتجمع الخامس وشرم الشيخ، والساحل الشمالى، وهو يرى فنادق الخمسة نجوم، والأبنية والعربات الفارهة، فلماذا لا تؤخذ الحقوق وتنتزع كما تفرض الواجبات وتطاع؟

ولا تأبه الجياع بالانتقادات التى توجه لاحتجاجاتها: توقف الإنتاج والخسارة بالملايين كما حدث فى هيئة النقل العام، والمليارات كما هو حادث فى البورصة، الفوضى وتوقف العمل وسير المواصلات وتعطيل الدخول والخروج فى الأماكن العامة وعدم الالتزام بأى قانون، قديم سقط أو جديد لم يصدر، التدرج واستحالة إجابة مطالب الجميع فى وقت واحد، وحدود موارد الدولة، ورفض المعونات الأجنبية المشروطة، واشتراط بعض الدول الإفراج عن الرئيس المخلوع حتى تتدفق ملياراتها، والصبر طيب، فإذا صبر الشعب طيلة هذه العقود فلماذا لا يصبر بعضا من الوقت حتى تتهيأ الأمور، ويتم إنجاز المطلب؟

فى هذه الثورة الثانية القادمة، من يناير الأولى إلى يناير الثانية تتحول المطالب من الحرية إلى العدالة، ومن ليبرالية الخاصة إلى اشتراكية العامة، ومن الروح إلى البدن، ومن القلم إلى الخبز، فالحرية ليست غاية بل وسيلة لتحقيق غايات أخرى. الحرية مقدمة وليست نتيجة، انطلاقة الحركة وليست المسار، تدوير محرك العربة وليس سير العربة فى سرعاتها المختلفة. الحرية ليست نهاية المطاف بل بدايته. هى الأداة التى بها يتحقق باقى المطالب، وفى مقدمتها العدالة.

الثورة ثورتان، ثورة الحرية وثورة العدالة، يناير الأولى ويناير الثانية. والثورة الثانية على الأبواب، فالناس تتساءل: ماذا فعلت الثورة لنا؟ ما زلنا فى الأكواخ والنجوع والعشوائيات والمجارى الطافحة والمياه غير النظيفة والبطالة وطوابير الخبز. ألم يكن النظام السابق أفضل، يسرقون ويدعون غيرهم يسرق؟ لا تختلف عليها القوى السياسية. فكما وحدت الحرية ثوار يناير الأولى يوحد الخبز ثوار يناير الثانية، ولا يختلف عليها الإسلاميون والعلمانيون.

فالله هو الذى يطعم بعد جوع ويؤمن بعد خوف (الَّذِى أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ)، وجاءت الثورة الثانية قبل الأولى، ولا يختلف عليها مسلمون وأقباط، فكلاهما فى نفس الموقف. يوحدهما الفقر كما وحدهما القهر فى الثورة الأولى. وهى مقبولة فى الخارج، بعيدة عن تهمة الإرهاب والقاعدة والعنف، وإذا كانت ثورة يناير الأولى قد أتت مباغتة للجميع فإن ثورة يناير الثانية تدق على الأبواب

عن ahlam

من مصر...من الاسكندرية حيث ولدت واعيش...من الاقصر حيث ارض اجدادى...الى مصر الوطن الام...الى العالم العربى حيث الانتماء والهوية...الى الانسان فى كل مكان.

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s